ابن كثير
368
السيرة النبوية
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فوقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط ( 1 ) في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ، وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال . فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان . وقالت يهود : تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله . عمرو : عمرت الحرب ، والحضرمي : حضرت الحرب . وواقد أبن عبد الله : وقدت الحرب . فجعل الله ذلك عليهم لا لهم . فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل : قتال فيه كبير ، وصد عن سبيل الله وكفر به ، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، والفتنة أكبر من القتل ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ( 2 ) " . أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام ، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ، والفتنة أكبر من القتل . أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه ، فذلك أكبر عند الله من القتل ، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين ، ولهذا قال الله تعالى : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا " الآية . * * *
--> ( 1 ) ابن هشام : سقط . ( 2 ) سورة البقرة 217 .